ابن أبي أصيبعة

95

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

مجرد مشاهدات متناثرة لوقف عن الرقى . إلا أن الأقدمين أسرفوا فخرجوا بالطب عن غايته الأولى وهي التشخيص والعلاج خضوعا لآرائهم الفلسفية ، وكتب الطب القديم تعتمد على المنطق أكثر من اعتمادها على الخبرة والواقع . ومن بداية القانون يرسم ابن سينا منهجه العلمي في وضع الكتاب في أولى صفحاته « ورأيت أن أتكلم أولا في الأمور العامة الكلية في كلا قسمي الطب أعنى القسم النظري والقسم العملي ، ثم بعد ذلك أتكلم في كليات أحكام قوى الأدوية المفردة ثم في جزئياتها ثم بعد ذلك في الأمراض الواقعة بعضو عضو فابتدأ أولا بتشريح ذلك العضو ومنفعته . وأما تشريح الأعضاء المفردة البسيطة فيكون قد سبق منى ذكره في الكتاب الأول الكلى وكذلك منافعها ثم إذا فرغت من تشريح ذلك العضو ابتدأت في أكثر المواضع بالدلالة على كيفية حفظ صحته ثم دللت بالقول المطلق على كليات أمراضه وأسبابها وطرق الاستدلالات عليها وطرق معالجتها بالقول الكلى أيضا فإذا فرغت من هذه الأمور الكلية أقبلت على الأمراض الجزئية ودللت أولا في أكثرها أيضا على الحكم الكلى في حده وأسبابه ودلائله ثم تخلصت إلى الأحكام الجزئية ثم أعطيت القانون الكلى في المعالجة ثم زلت إلى المعالجات الجزئية بدواء بسيط أو مركب وما كان سلف ذكره من الأدوية المفردة ومنفعته في الأمراض في كتاب الأدوية المفردة في الجداول والأصباغ التي أرى استعمالها فيه كما تقف أيها المتعلم عليه إذا وصلت إليه لم أكرر إلا قليلا منه وما كان من الأدوية المركبة إنما الأحرى به أن يكون في الأقراباذين الذي أرى أن أعمله ولهذا أخرت ذكر منافعه وكيفية خلطه إليه ورأيت أن أفرغ من هذا الكتاب إلى كتاب أيضا في الأمور الجزئية مختص بذكر الأمراض التي إذا وقعت لم تختص بعضو بعينه ونورد هنالك أيضا الكلام في الزينة وأن أسلك في هذا الكتاب أيضا مسلكى في الكتاب الجزئي الذي قبله . فإذا تهيأ بتوفيق اللّه تعالى الفراغ من هذا الكتاب جمعت بعده كتاب الأقراباذين . وهذا كتاب لا يسع من يدعى هذه الصناعة ويكتسب بها أن لا يكون جعله معلوما محفوظا عنده فإنه مشتمل على أقل ما لا بد منه للطبيب » « 1 » . وهكذا نلاحظ أن منهج ابن سينا في كتابه القانون يبدأ بتشريح الأعضاء ووظائف الأعضاء ثم طبائع الأمراض وبعد ذلك يكون العلاج وهو منهج دقيق لدراسة الطب دراسة أكاديمية صحيحة .

--> ( 1 ) مقدمة ابن سينا لكتاب القانون ص 2 .